الحوثي بين العقيدة والمشروع: ما الذي يغيب عن بعض النخب؟
أتفاجأ من مواقف بعض من يُحسبون على النخب، ثم تأتي مواقفهم رمادية حين تواجه الأمة معارك مفصلية تستدعي وضوح الرؤية والموقف.
إن الذين يقرؤون ما يحدث مع الحوثي في اليمن على أنه مجرد معركة بين طائفتين من المسلمين، يختزلون المشهد ويغفلون أبعاده، وقد يخذلون الأمة من حيث لا يشعرون.
وقد تحجب بعض المواقف السياسية المسبقة عن أصحابها رؤية المشهد بكامل أبعاده؛ والإنصاف يقتضي النظر إلى حقيقة المشروع ومآلاته، ووزن هذه المعركة بميزان مصالح الأمة وأمن شعوبها.
وقبل أن تتخذ موقفك من المعركة الدائرة في اليمن، لا بد أن تنظر إليها من ثلاث زوايا:
الزاوية الأولى: عقيدة الحوثي
لا يمكن إغفال الجانب العقدي لهذه الجماعة عند قراءة مواقفها ومشروعها. ويكفي أن تقرأ ما نُقل عن بدر الدين الحوثي، والد عبد الملك الحوثي وأحد أبرز المرجعيات الدينية للجماعة، من طعن في صحابة رسول الله ﷺ، وفي أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ومن أبرز ما نُقل عنه قوله في شأن الصحابة، بحسب ما أورده الصنعاني في كتاب «الحرب في صعدة من أول صيحة إلى آخر طلقة»، ص 19: «أنا عن نفسي أؤمن بتكفيرهم».
وقال عن معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما: «فلا يلزم إسلام معاوية وعمرو بن العاص وأشباههما»، في رسالته «أحاديث مختارة في فضل أهل البيت وشيعتهم»، ص 17.
وهذه الأقوال لا يصح تجاوزها عند الحديث عن المرجعية العقدية للجماعة، وأثرها في خطابها ومواقفها.
الزاوية الثانية: الاصطفاف والمشروع
حتى لو سلّمنا جدلًا أن الحوثي لا يتبنى عقيدة الاثني عشرية، ولا يسب الصحابة، فإن اصطفافه ضمن المشروع الإيراني يبقى قضية لا يمكن إغفالها؛ ذلك المشروع الذي سام المسلمين سوء العذاب في سوريا والعراق ولبنان وغيرها.
إن امتداد هذا المشروع إلى اليمن، على الحدود السعودية من الجنوب، ونفوذه في العراق، وتحركاته على الحدود الشرقية للمملكة، تكشف أن القضية تتجاوز خلافًا يمنيًا داخليًا، وأن أمن بلاد الحرمين، بل سعي هذا المشروع إلى احتلالها صراحةً، حاضر في صميم تحركاته.
ومن يقرأ هذا الامتداد، ويدرك ما يمثله من تهديد للمملكة ومقدسات المسلمين، يعلم أن المعركة أكبر بكثير من الصورة التي يختزلها فيها البعض.
الزاوية الثالثة: من المعتدي ومن بدأ القتال؟
هل هي الحكومة الشرعية أم الحوثي؟ هذه زاوية ميدانية يُرجع فيها إلى الوقائع وشهادة أهل الميدان، لكنها لا تُقرأ بمعزل عن الزاويتين السابقتين.
ومعرفة المعتدي مسؤولية لا تسقط، كما أن السعي إلى حقن الدماء لا يُغفل حقيقة المشروع الذي يغذي الصراع. وانفصال الحوثي عن المشروع الإيراني، وتبرؤه من الطعن في الصحابة، يفتحان بابًا جادًا لإصلاح ذات البين، على أساس يصون أمن اليمن وأهله وجيرانه.
كما أتمنى من قيادة المملكة أن تتسع مبادرات جمع الكلمة، وأن تحمل الأيام بشائر صفحة رحبة من الصفح ولمّ الشمل، تلتئم بها القلوب، وتقرّ بها أعين أسر طال انتظارها؛ فإن اجتماع الكلمة من أعظم أسباب القوة في هذه الأوقات.
وأدعو علماء الأمة إلى إصدار بيانات واضحة في الوقوف مع بلاد الحرمين، وصيانة أمنها ومقدساتها، وجمع كلمة المسلمين على ما يحفظ دماءهم وبلادهم.
وكتبه
د. عبد الله المحيسني
https://t.me/shemmary