وإذا اجتمع في رجلٍ واحد علم الأستاذ، وملكة الباحث، وخبرة المحامي، تلاقت في شخصه روافد المعرفة القانونية؛ فالعلم يمنحه عمق النظر، والبحث يكسبه دقة المنهج، والممارسة تصقله بواقعية الحياة القضائية. وعندئذٍ لا تعود القاعدة القانونية عنده سطورًا جامدة، بل تصبح أداةً لفهم الوقائع، ووسيلةً لحماية الحقوق، وطريقًا إلى إرساء العدل.
ولعل اجتماع الأستاذية الجامعية بالممارسة المهنية هو أحد وجوه التميز في شخصية العالم القانوني؛ إذ يظل العلم محتاجًا إلى اختبار الواقع، كما تظل الممارسة محتاجةً إلى هداية العلم. وبين هذين الجناحين يحلّق الفكر القانوني في آفاقه الأرحب.
بين قاعة الدرس ومنصة القضاء
ما أجمل أن يترك الأستاذ أثره في عقل الطالب، وأن يترك المحامي أثره في وجدان العدالة؛ وما أعمق دلالة أن يجمع رجلٌ بين المجالين، فيكون حاضرًا في ذاكرة العلم بما ألّف ودرّس، وفي ميدان العمل بما مارس وأجاد.
فالأثر العلمي قد يسكن كتابًا تتوارثه الأجيال، والأثر المهني قد يبقى في قضيةٍ أُحسن تناولها، أو دفاعٍ أُقيم على أساسٍ متين، أو حقٍّ وجد من يتولى الذود عنه بالحجة والبرهان. وبين الأثرين تتشكل سيرة الرجال الذين لا تقف إنجازاتهم عند حدود الوظيفة، بل تتجاوزها إلى خدمة الفكرة التي نذروا لها حياتهم.
وليس أبلغ من أن يظل اسم العالم مقرونًا بكتابٍ يرجع إليه الباحثون، وأن يظل اسم المحامي حاضرًا في الأذهان بما عُرف عنه من اقتدارٍ وخبرة؛ فذلك هو الامتداد الحقيقي للعطاء، حين يتحول الجهد الفردي إلى رصيدٍ معرفي ومهني تنتفع به الجماعة القانونية.
خاتمة.. رجالٌ يتركون في القانون أثرًا لا يزول
إن الأستاذ الدكتور عبد الرؤوف مهدي يمثل، في صورته التي تجتمع فيها الأستاذية العلمية مع اقتدار المحاماة، نموذجًا يستحق أن يُستحضر عند الحديث عن رجال القانون الجنائي الذين جمعوا بين التأليف والممارسة، وبين التأصيل النظري والانشغال بقضايا العدالة في واقعها العملي.
وسيظل الكتاب العلمي الرصين شاهدًا على قيمة العقل الذي أبدعه، كما تظل الخبرة المهنية عنوانًا لما تمنحه المعرفة من قدرةٍ على الفهم والتحليل وبناء الحجة.
فالأعمار تمضي، والمناصب تتبدل، والأيام تطوي صفحاتها، لكن بعض الرجال يتركون في ذاكرة القانون ما يشبه النقش على الحجر؛ لا تمحوه عواصف الزمن، ولا تطويه صفحات النسيان.
أولئك هم الذين لا يكتفون بقراءة القانون، بل يضيفون إلى مكتبته، ولا يقفون عند حدود ممارسته، بل يرتقون برسالته؛ فيغدو العلم في أيديهم نورًا، وتصبح الكلمة على ألسنتهم حجة، وتظل العدالة هي الغاية التي تلتقي عندها طرق الأستاذ والمحامي والباحث.
✍ من صفحة المستشار محمد سمير
https://www.facebook.com/share/p/18Vu2CVebK/